أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

408

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : « إِلَّا مُتَحَرِّفاً » في نصبه وجهان : أحدهما : أنه حال . والثاني : أنه استثناء ، وقد أوضح ذلك الزمخشري ، فقال : « فإن قلت : بم انتصب « إِلَّا مُتَحَرِّفاً » ؟ قلت : على الحال ، و « إِلَّا » لغو ، أو على الاستثناء من المولّين ، أي : ومن يولّهم إلّا رجلا متخوّفا ، أو متحيّزا » . قال الشيخ « 1 » : « لا يريد بقوله : « و « إِلَّا » « لغو » أنها زائدة ، بل يريد أن العامل وهو « يُوَلِّهِمْ » وصل لما بعدها ، كقولهم - في « لا » من نحو : « جئت بلا زاد » - : إنها لغو . وفي الحقيقة هي استثناء من حال محذوفة ، والتقدير : ومن يولّهم ملتبسا بأية حالة إلّا في حال كذا ، وإن لم يقدر حال عامة محذوفة لم يصح دخول « إِلَّا » ، لأن الشرط عندهم واجب ، والواجب حكمه لا تدخل و « إِلَّا » فيه ، لا في المفعول ، ولا في غيره من الفضلات ، لأنه استثناء مفرغ ، والمفرغ لا يكون في الواجب ، إنما يكون مع النفي ، أو النهي ، أو المؤول بهما ، فإن جاء ظاهره خلاف ذلك يؤول » . قلت : قوله : « لا في المفعول ، ولا في غيره من الفضلات لا حاجة إليه ، لأن الاستثناء المفرغ لا يدخل في الإيجاب مطلقا ، سواء كان أبعد « إِلَّا » فضلة أم عهدة ، فذكر الفضلة والمفعول يوهم جوازه في غيرهما » . وقال ابن عطية : « وأما الاستثناء فهو من المولّين الذين يتضمنهم « من » . فجعل نصبه على الاستثناء » . وقال جماعة . « إن الاستثناء من أنواع التولي » . وقد ردّ هذا بأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون التركيب : إلا تحيزا أو تحرفا . والتّحيّز والتّحرّز : الانضمام ، وتحوّزت الحيّة : انطوت . وحزت الشيء : ضممته . والحوزة : ما يضم الأشياء . ووزن « متحيّز » : « متفيعل » ، والأصل متحيوز ، فاجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت في الياء بعدها ، ك « ميّت » ، ولا يجوز أن يكون « متفعّلا » ، لأنه لو كان كذا لكان « متحوّزا » . فأما متحوّز ف « متفعّل » . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 17 إلى 24 ] فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 ) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ( 18 ) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( 19 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( 20 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 ) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 )

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 475 ) .